بعد انتهائي من تقديم عرض بنفس عنوان الموضوع، تقدمت إلي فتاة في سن المراهقة (حضرت مع والدتها) محاولة ألا يسمعها أحد، لتقول لي والدموع تخنق كلماتها: وماذا يفعل من له أب لا يقوم بأي شيء من هذ الأشياء التي ذكرت؟؟ كان سؤالها كالزلزال.. حاولت إعطاءها بعض النصائح، وفي نفس الوقت قررت أن أكتب عن هذا الموضوع.

توطئة:

سميت المراهقة بهذا الإسم اشتقاقا من الإرهاق، أي أن المراهق يرهق نفسه ومن حوله في هذه المرحلة الحرجة جدا والحساسة.

توقف.. من قال ذلك؟؟

كل ما في الأمر أن المراهقة، من “راهق” الغلام إذا قارب الحلم وبلغ حد الرجال، فسميت هذه المرحلة بهذا الاسم لاقتراب الأطفال من مرحلة الرشد لا أقل ولا أكثر.

هذا الفرق الشاسع بين التعريفين تمثله هذه القصة بشكل رائع:

يحكى أنه في ليلة مظلمة باردة، وقف رجل على حافة الطريق منتظرا من يقله إلى المدينة بعد أن تقطعت به كل السبل.. المكان خال إلا من بعض الحيوانات الصغيرة، وها هي ذي الأمطار بدأت تتساقط.

جلس الرجل القرفصاء تحت شجيرة بجانب الطريق. فجأة، وفي أقصى لحظات يأسه وأقساها، لمح سيارة تقترب منه ببطء شديد.. اقترب منها لكنها لم تتوقف. أطل من نافذتها فإذا بها خالية من كل جنس بشري. ارتعدت فرائصه، لكنه قرر الركوب ما دام الوضع في أسوإ حالاته.. لا زالت السيارة تتحرك ببطء.

عندما اقتربت من منعرج، دخلت يد من النافذة لتعدل المسار ثم اختفت.. تكرر الأمر عند كل منعرج، وكاد عقل الرجل يطير من هول ما رأى.

لمح المسكين أضواء باحة للاستراحة، فقفز من السيارة وركض مسرعا نحوها.. هناك، وجد مجموعة من الناس، فحكى لهم مذعورا ما رأى وعاش من أحداث خيالية يصعب على المرء تصديقها.. بعد دقائق، وصل إلى الباحة شخصان تبدو عليهما آثار التعب والإنهاك. حدق أحدهما في الرجل المسكين ثم التفت إلى صديقه قائلا: ” أليس هذا هو الرجل الذي ركب سيارتنا المعطلة دون أن يساعدنا على دفعها؟؟

كثير من المربين ينظرون إلى المراهقة على أنها مرحلة صراع مع الأبناء وتحتاج إلى قدرات هائلة، لكنها في الحقيقة لا تحتاج إلا إلى معرفة بمميزات المرحلة والاستمرارية في الفعل. يهولون الصورة لدرجة أنهم يقفون عاجزين عن أي تصرف، بينما هم في الحقيقة ضحايا أفكارهم المغلوطة.

سيتم تقسيم الموضوع إلى ثلاثة أقسام:

  1. اكسب ابنك المراهق – 1 – (خصائص طبيعية تزعج الكبار)
  2. اكسب ابنك المراهق – 2 – (احتياجات المراهق)
  3. اكسب ابنك المراهق – 3 – (إدارة مرحلة المراهقة)

يقول الآباء:

ابني تغير:

يردد الآباء كثيرا هذه العبارة وهم في حالة من الانزعاج، خصوصا بعد أن يلمسوا عدم نجاعة طرقهم القديمة في تربية أبنائهم أو إقناعهم بشيء ما.. البعض يعتبر ذلك تمردا، لكن الحقيقة أن الطفل بدخوله لمرحلة المراهقة يعرف تغيرات كثيرة على المستوى النفسي والعقلي، فيصبح من الطبيعي تغيير طرية التعامل وليس الخوف من هذا التغيير.

لم نكن هكذا في سنه:

تعتقد ذلك أنت أيضا؟؟ حسنا إليك هذه الكلمات:

الشباب في الوقت الحاضر بميلهم إلى الترف وعدم تحليهم بالأخلاق القويمة وازدرائهم لفرض السيطرة عليهم، فهم يظهرون عدم الاحترام تجاه من هم أكبر سنا، فضلا عن شغفهم بالثرثرة، لم يعد الشباب يحترمون من يدخل غرفهم، ودائما ما يعارضون آباءهم ولا ينصتون إلى غيرهم، كما أنهم قد تخلوا عن آداب الطعام وأصبحوا دائمي الخلاف مع معلميهم..

هذا الكلام ليس لشخص في مثل عمرك ولا عمر أبيك أو جدك ^_^ إنه لسقراط في القرن الخامس قبل الميلاد ^_*

ماذا يعني ذلك؟؟ يعني أن المراهق يتصرف بشكل طبيعي حسب ما تفرضه المرحلة، وبالتالي فالمشكلة مشكلة الكبار الذين لا يعرفون كيفية التعامل مع الوضع فيكون رد فعلهم قاسيا كالذي ينزعج من بكاء الطفل ذي الشهرين من عمره ويصرخ في وجهه ×_×

خصائص طبيعية تزعج الكبار:

الخلوة بالنفس:

يميل المراهق إلى الخلوة بنفسه. لكن هذا الأمر يقلق الآباء ويربطونه عادة بالعادات السيئة، لكنه في الحقيقة أمر طبيعي. فالمراهق في رحلة بحث عن الراشد في داخله، يحتاج خلال هذه الرحلة للتفكير والتأمل، وهذا لن يتأتى له إلا في مكان هادئ خال من المشوشات، فتجده يميل إلى الخلوة سواء بشكل واع أو غير مقصود.

ينزعج الآباء من أبنائهم المراهقين الذين يقضون أوقاتا طويلة بالحمام.. أغلب هؤلاء لا يملكون غرفا خاصة بهم وحدهم، فيكون الحمام المكان الوحيد الذي يوفر لهم احتياجاتهم (صف نيتك ^_^)

الفوضى وقلة الترتيب:

أبناؤنا المراهقون يستعدون لدخول عالم جديد وحياة جديدة، وهم مهتمون بها أكثر من أي شيء، لذا فهم يعتبرون ترتيب ملابسهم وأشيائهم الخاصة أمرا يقبل الانتظار.. ليس المقصود أن نتركهم على تلك الحال، لكن علينا أولا الإيمان بأن ذلك أمر طبيعي دون أن ننسبه إلى الإهمال أو العناد…الخ

مصادقة من هم أكبر سنا:

ماذا تنتظر من شخص بدأ يرى في نفسه معالم الرجولة؟؟ أكيد أنه سيبدأ بالانسلاخ من مجتمع الصغار ليصادق الكبار.. لا يزعجك سن أصدقاء أبنائه.. فقط علمه كيف يختارهم.

رفض الأوامر بدون مبررات:

انتهى وقت “افعل” و”لا تفعل” دون مبررات. هي عملية غير منصوح بها حتى مع الأطفال وإن أعطت نتائجها على المدى القصير، لكن في مرحلة المراهقة تصبح هذ الطريقة غير فعالة إطلاقا، لحدوث تغيرات كبيرة على مستوى النمو العقلي للمراهق والنفسي كذلك تجعله يرفض أي أمر دون أن يلمس فيه الفائدة أو الضرر (حسب قناعاته هو وليس قناعات الوالدين)

الميل إلى التحدي:

طريقة من الطرق في محاولة لإثبات الذات.. لا تعتبر هذا التحدي أو المنافسة أو العناد مساسا بشخصك أو تقليلا من قيمتك.. هو أمر داخلي لا علاقة لك به إطلاقا.. حاول أيها المربي المبدع أن تحسن توجيهه.

كثرة التساؤلات:

في مرحلة الطفولة، يطرح الصغير عددا من الأسئلة لبناء معرفته يطغى عليها “ما هذا؟ لماذا؟ أين؟” في المراهقة تنشط هذه الرغبة في الأسئلة غير أنها تتمحور كثيرا حول الأعراف والقوانين والمبادئ، وكأن المراهق يحاول فك تلك القيود التي تعرقل حريته.. أجبه بدلائل يستوعبها وليس بإجابات تبتغي منها ضمان سيطرتك عليه.

في الجزء الثاني بإذن الله، سنتطرق للتغيرات الأساسية التي تحدث على المستويات الخمسة (العقلي، اللغوي، النفس، الاجتماعي والجسدي) لنتعرف احتياجات المراهق في هذه المرحلة المميزة.

المراجع:

المراهقون المزعجون – د. مصطفى أبو سعد

النفس والحياة (الحلقات الخاصة بالتعامل مع المراهق) – د. طارق الحبيب

العادات السبع للمراهقين الأكثر فعالية – شين كوفي

هل استفدت من هذا الموضوع؟ يمكنك نشره لمشاركة أصدقائك الفائدة:
  • Facebook
  • Twitter
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Yahoo! Bookmarks
  • Live
  • Technorati
  • StumbleUpon
  • Digg

التعليقات: 5

  • مريم:

    السلام عليك أيها المربي المبدع
    أحييك على هذا الموضوع الرائع والمهم جدا، في نظري فنحن مهما كبرنا فلا نزال ذلك المراهق في عيون آبائنا وتصرفاتهم ولو كان ذلك بصفة قليلة لكن التخلص منه يحتم علينا إيجاد وسائل ترقى لإقتناعهم الكامل بأننا قد كبرنا، وحتى ولو قلنا أن ذلك هو مجرد تعبيير عن الإحساس بالمسؤولية تجاهنا فهو يظل عائقا في بعض الأحيان أمام تطلعاتنا و محاولاتنا لنكون ما نريد وليس ما يريدون، فالمراهق برأيي يحتاج من والديه فهمه أولا والبحث معه عن أنجع الطرق وأسرعها لتجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر خصوصا الجانب النفسي، فتوطيد العلاقة معه يمنحهم حبه واحترامه و بذلك يسهل عليهم ايصال أفكار أو تعديل سلوكات، والأهم هو أن يبذل الآباء مجهودا ليكونوا قدوة حسنة ومثالا يحتدى به فمهما تمرد المراهق فسلوكاته ماهي إلا ردود أفعال لتصرفات الوالدين.
    بوركت أخي خالد ونحن في انتظار التتمة ان شاء الله ^_^

    بتاريخ 13 نوفمبر 2011م على الساعة: 23:12
  • latifa:

    سلام الله عليك انا من الجمهور الذين حضرو الى محاضرتك الرائعة التي نظمتها لساني عاجز عن شكرك يا استاذ
    فقد أحببت على هذا الموضوع الرائع والمهم جدا للاسف ما زال الكثير من الناس يعتقد ان المراهقة سميت بهذا الإسم اشتقاقا من الإرهاق، أي أن المراهق يرهق نفسه ومن حوله في هذه المرحلة الحرجة جدا والحساسة.

    بتاريخ 15 نوفمبر 2011م على الساعة: 18:12
  • محمد فوزى:

    كل الشكر والامتنان على روعة بوحـك ..

    وروعة مانــثرت .. وجمال طرحك ..
    دائما متميز في الانتقاء
    سلمت على روعه طرحك
    نترقب المزيد من جديدك الرائع
    دمت ودام لنا روعه مواضيعك

    لك خالص احترامي

    بتاريخ 16 نوفمبر 2011م على الساعة: 14:06
  • goulha:

    اقدم لكم أجمل التهاني والتبريكات بمناسبة ذكرى رأس السنة الهجرية الجديدة فعــام مــــبارك ســـــعيد ، علينا وعليكم شـهيد ، وكل عام وأنتم ونحن بألف ألف خير ،

    بتاريخ 27 نوفمبر 2011م على الساعة: 22:44
  • goulha:

    أعدت قراءة هذا الموضوع ووجدته بالفعل مميزا ومفيدا
    واصل أخي الكريم

    بتاريخ 08 يناير 2012م على الساعة: 17:18

هل لديك تعليق؟

Spam Protection by WP-SpamFree